وهبة الزحيلي
199
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الأدلة والحجج المذكورة في القرآن ، الذين يحسبون أنهم يفوتون اللّه بأنفسهم ، فلا يقدر عليهم ، فأولئك تحضرهم الزبانية في نار جهنم ، وهذا إشارة أيضا إلى دوام العذاب ، كما قال تعالى : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [ السجدة 32 / 20 ] وكما قال تعالى : وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ [ الانفطار 82 / 16 ] . 5 - كرر اللّه تعالى للتأكيد أنه هو وحده باسط الرزق ومضيقه لمن يشاء ، على وفق ما يرى من الحكمة والمصلحة لعباده ، فيا أيها المغترون بالأموال والأولاد : إن اللّه يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء ، فلا تغتروا بالأموال والأولاد ، بل أنفقوها في طاعة اللّه ، فإن ما أنفقتم في طاعة اللّه فهو يخلفه عليكم ، واللّه تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ، وهو الرازق على الحقيقة ، والناس مجرد وسطاء ورزقهم منقطع ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات 51 / 58 ] . 6 - ما دلت عليه الآية : فَهُوَ يُخْلِفُهُ والحديث المتقدم المتفق عليه عن أبي هريرة مرفوعا : « قال : قال اللّه عز وجل : « أنفق أنفق عليك » : فيه إشارة إلى أن الخلف في الدنيا عن النفقة إذا كانت النفقة في طاعة اللّه ، وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء لتكفير الذنوب أو ادخار الثواب في الآخرة . روى الدارقطني عن جابر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل معروف صدقة ، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله ، كتب له صدقة ، وما وقى به الرجل عرضه « 1 » فهو صدقة ، وما أنفق الرجل من نفقة فعلى اللّه خلفها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية » . أما ما أنفق الشخص في معصية فلا خوف أنه غير مثاب عليه ، ولا مخلوف له . وأما البنيان فما يكون منه ضروريا يكنّ الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف
--> ( 1 ) مثل إعطاء الشاعر وذي اللسان لتوقي الذم والقدح والهجاء .